Saturday, April 28, 2012

الإستقالة وإستحقاقاتها

الإستقالة افضل من الإقالة؟ أم الإقالة وبعدها الإستقالة؟ أم هي إقالة وإستقالة!
تعريف استقالة - اِسْتِقالَةٌ : [ ق ي ل ] . ( مصدر اِسْتَقالَ ) . " قَدَّمَ اسْتِقالَتَهُ مِنْ مَنْصِبِهِ " : طَلَبُ الإِعْفاءِ مِنَ الْمَنْصِبِ ، تَرْكُهُ ، اِعْتِزالُهُ ، التَّنازُلُ عَنْهُ .
أما تعريف الإقالة في اللّغة : الرّفع والإزالة ، ومن ذلك قولهم : أقال اللّه عثرته إذا رفعه من سقوطه . ومنه الإقالة في البيع ، لأنّها رفع العقد. باب الإقالة في الفقه  المناسبة ظاهرة ، وهي شاملة لكل عقد بيع صحيحا كان أو مكروها فيفسخ إقالة بالتراضي ، وإن كان واجبا في المكروه تحريما دفعا للمعصية ، أو فاسدا فيفسخ بدون التراضي ، إما من أحدهما أو من القاضي جبرا ، كما قدمناه فاشترك المكروه ، والفاسد في وجوب الدفع ، والكلام فيها يقع في عشرة مواضع. الأول في معناها لغة والثاني في معناها شرعا والثالث في ركنها ، والرابع في شروطها ، والخامس في صفتها ، والسادس في حكمها ، والسابع فيمن يملكها ، ومن لا يملكها ، والثامن في بيان دليلها ، والتاسع في سببها ، والعاشر في محاسنها. أما الأول فقال في القاموس قلته البيع بالكسر ، وأقلته فسخته ، وإستقاله طلب إليه أن يقيله ، وتقايل البيعان ، وأقال الله عثرتك ، وأقالكه، إلخ.
أشهر استقالة عربية في العصر الحديث هي استقالة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ، والذي تنحى عن الحكم محملا نفسه مسؤولية النكسة وبشجاعة كبيرة، تلا خطاب إستقالتة الشهيرة ، حيث قال "ولقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً ان تساعدوني عليه. لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر". صفقوا له وقالوا: إبقى! نحن معك!
نبدأ مشوارنا بتعليق للشاعر المخضرم مظفر النواب، ونقتبس منه:
قمم ، قمم ، قمم ، معزى على غنم ، مضرطة لها نغم
ويفشخ البغل على الحضور حافريه، لا ، نعم،
 وينزل المولود نصف عورة ونصف فم
 مبارك ، مبارك، وبالرفاه والبنين،
 أبرقوا لهيئة الأمم.

ثم يزيدنا من العلم قطرة:
وعنزة، مصابة برعشة !
في وسط القاعة بالت نفسها !
فأعجب الحضور ! صفقوا ! وحلقوا !
بالت لهم ثانية !
وإستعر الهتاف !
كيف بالت هكذا !!!
وحدّقوا ! وحللّوا ! وأجلّوا ! ومحّصوا ! ومصمصوا ! وشخت الذمم !
وا هبلتكم أمكم!
هذا دم، أم ليس دم!

نعلم سوية بأن كل رئيس وزراء معّين مكلّف من قبل النظام ، تحتوي أسس تكليفه على شقين، وهما كتاب التكليف والإقالة (وليس الإستقالة) ويوافق عليهما معا في ذات اللحظة لقبوله أن يتبوأ هذا المنصب.
جاء الرئيس لملأ فجوة عميقة تشكلت بعد أن حمّل المرحوم له ، شهيد الحق والعدل ، القائم بمقام الراعي الوالي ، حمّال المآسي ، والذي سبقه ، أوزارا فوق طاقاته، حيث أبدى عزيمة وإصرارأ لرفع أحمالا ثقالا، ولكن الميدان لا يحتمل الخطأ ، فلقد أدى دوره على أكمل وجه ، كجندي مطواع ، رفع العلم بكل فخر بمهمات صعبة وشائكة ، فجاءت مكافئته لنيل القليل من السكينة والراحة والإستجمام.
ينفي رئيس وزراء اردني تقديم إستقالة حكومته ، فيؤكد ذلك الديوان الملكي ، عبر تصريحات غير واضحة المصدر أولا ، ثم عبر إعلان قبول استقالة الحكومة ، رغم نفي الرئيس!!! ثم تتوالى الأحداث تباعا في تخبط عجيب ، لإعطاء القاصي والداني بأن التخبط موجود ، وأن النظام يمر بمرحلة تأزيم وضياع. قيل أن هذا حدث من قبل خلال حكومات عبد الرؤوف الروابدة ، و علي أبو الراغب ، و عدنان بدران. ولكنها مجرّد قصص.

وها هو المشهد يتكرر مجددا مع حكومة عون الخصاونة ! الخصاونة الذي كان متواجدا في تركيا ، حين شيع خبر تقديم إستقالة حكومته ، كلّف مكتبه في عمان بنفي خبر الإستقالة ، والتي قالت المصادر أنها قدمت خطيا ، وأن وزير العدل ، هو الذي كلفه الخصاونة بتقديم نص الإستقالة للديوان الملكي.

تباينت الأنباء عن أسباب الإستقالة والتي لخصها الشارع بما يلي:
1-  تنامي الخلافات بين الرئيس ومؤسسة القصر، خاصة منذ الزيارة التي قام بها خالد مشعل للأردن ، وعزلت الحكومة عن برنامج الزيارة بشكل كلي.
2-  الخلافات بين الخصاونة وفيصل الشوبكي، مدير المخابرات العامة ، على العديد من الأجندات والمسؤوليات وتوزيع المهام الوظيفية ، والإدارية ، لإدارة شؤون البلاد.
3-  تصريحات عدة من وزير الدولة لشؤون الإعلام والإتصال ، الناطق الرسمي بإسم الحكومة ، تفيد بوجود موقف سلبي للحكومة من دائرة المخابرات العامة.
4-  إستشعار الخصاونة، أن الملك قرر التخلص من حكومته في وقت قريب جدا ، فارتأى أن يسارع إلى تقديم استقالة الحكومة ، قبل أن تقال ، آملا في تحسين صورته الشخصية أمام الرأي العام الأردني ، وتقليل حجم التشوهات التي شابت هذه الصورة جراء السياسات التي إنتهجتها حكومته إبان تبوأه لمنصب الرئيس.  وقد استشعر الخصاونة رغبة الملك في التخلص منه ، من خلال قرار الملك تمديد الدورة العادية الحالية لمجلس النواب ، حتى 25 حزيران المقبل ، بعد أن كانت الحكومة قد نسّبت بإنهاء الدورة في موعدها الدستوري الموافق ليوم الخميس، 26 نيسان الجاري.
5- تباطئ الخصاونة في تمرير مشروعي قانوني الإنتخاب والأحزاب لمجلس النواب ، وتعّمد تأجيل إصدارها ، إلى ما بعد إنتهاء الدورة العادية الحالية للمجلس ، والتي كان مقررا أن تنتهي يوم الخميس الماضي. قيل أن الخصاونة تعّمد التباطئ ، بهدف إطالة عمر حكومته لأطول فترة ممكنة ، في حين أن الملك ارتأى، كما يبدو ، تحميل حكومة الخصاونة المسؤولية عن نصي مشروعي القانونين السابقي الذكر ، اللذان رفضهما الإسلاميون ، وجميع أحزاب المعارضة ، وكل من له فكر حويط في أحجية الإنتخابات والسياسات الداخلية ، وباتت ، كما قيل ، مقاطعة الإنتخابات البرلمانية المقبلة أمرا حتميا ، ومن جميع الأحزاب والتيارات السياسية و المستقلين ، وليس فقط الأحزاب المعارضة للنهج المركزي ، مؤكدة ، على نحو يحبط سلفا ، أية أحاديث رسمية أو نوايا رسمية عن الإصلاح السياسي الشامل ، والذي أصبح و منذ زمن قريب ، مطلبا ملحا للدول المانحة ، والتي لا يستطيع الأردن الإستغناء عن مساعداتها أو العيش بدونها ، في ظل عجز موازنته العامة  والتي تجاوزت المليار دينار ، كما تجاوزت سقف 60% من إجمالي الدخل الوطني ، الأمر الذي يجعل إقتصاد البلاد في خطر متفاقم سيحصد ثماره عما قريب.
6- عصيان الحكومة الحالية لإدانة و محاكمة معروف البخيت رئيس الوزراء السابق، وسهل المجالي، وزير الأشغال العامة في حكومته، في قضية الفساد الثابت وقوعها في مشروع (سكن كريم لعيش كريم) و عدم قدرتهم على إقناع أعضاء مجلس النواب للتصويت لمحاكمتهم وإدانتهم.
 7- تقصير حكومة الخصاونة لتمرير تعديلات على قانون المطبوعات والنشر، لتحد ولتقلل من كشف الصحافة الإلكترونية لقضايا الفساد التي تنخر هيكل الدولة الأردنية والنظام ككل.
8- تحميل حكومة الخصاونة المسؤولية الكاملة لصدور بياني استنكار من منظمتين دوليتين بارزتين في مجال حقوق الإنسان ، وحرية الإعلام، تطرقا من خلالهما للأسرة الحاكمة.
بنظرة شمولية لكتاب إستقالة حكومة الخصاونة ، يوحي للقارىء بتنصله من المسؤولية  لتنفيذ برامج إصلاحية كلفت بها حكومته ، والتي لم تتقدم خطوة واحدة على أرض الواقع منذ تشكيلها أواسط تشرين أول الماضي. كما يبطن بأنه أدى المهمة على أكمل وجه ، متضمنا حزمة القوانين و العلاقة مع المعارضة والشارع ككل. ولم يجد الخصاونة ما يفاخر به من انجازات لحكومته ، غير الحديث عن محاولته لاستعادة الولاية العامة لرئاسة الوزراء ، دون أن يتطرق لنجاحه أو فشله ، وهو ما يردنا لبداية رسالته (يشرفني أن أتقدم بصادق الاحترام ووافر التحية لمقامكم السامي وشخصكم الكريم، سائلاً المولى عز وجل أن يحفظكم ويرعاكم وأن يهديكم إلى ما فيه رضاه وخيركم.). كما أشار للأزمة الاقتصادية الخانقة (يقصد أنه لم يتلقى الدعم المالي الكافي) والتراكمات الموروثة (لا مجال لحلها بالطريقة الديبلوماسية)، فقد نفذت الحكومة برنامج إعادة هيكلة رواتب موظفي القطاع العام وسعت، على قلة من الإمكانيات (يقصد بدخوله لخصامات ومنازعات لإستعادة الولاية العامة لمجلس الوزراء من عدة جهات كالديوان الملكي ودائرة المخابرات العامة)، إلى إنصاف ذوي الدخل المحدود ما أمكنها ذلك.
جاء نص الموافقة على قبول الإستقالة (الإقالة) بفكر تنموي حضاري ، تصريحي وبعلانية ، وبسيط (قريب للقلب) ولكنه يحتوي على العديد من المفارقات وذلك بأن حكومة عون الخصاونة لم تلبي وترتقي لتطلعات الشعب الوفي ورغبته في تحقيق الإصلاح السياسي المنشود. سمة التباطئ والمراوحة ، والإصرار والتشبث بالرأي بعيدا عن مصالح الأمة.
حقيقة، أدّت حكومة عون الخصاونة الدور المطلوب على أكمل وجه ، وحان وقت رحيلها ، بطريقة تراجيدية كلاسيكية معهودة ، يشهد فيها لمطبخ القرار ، لقدرتهم على التحوير والتلفيق والإخراج السينيمائي والمسرحي للعديد من المسلسلات المحلية ، كالحكومات المتعاقبة وأسباب إقالاتها ، والتي ذهب أحدهم بوصفها زحفا ، والآخر كحشا ، وغيرهم ، في سلسلة جميلة متناغمة لفن الإنتاج التلفزيوني.
لتحليل أسباب الإقالة ، لا بد من تحليل أسباب التعيين.
كتب أحد المعارضين البارزين ، بأن النظام فشل. ونقول ، بأن النظام نجح في إنتقاء المكان والزمان لتعيين الحكومات المتعاقبة ولتاريخه ، للمحاولة بتهدئة الشارع المعارض ، ولكنه وعلى المدى المنظور ، يؤسس لمرحلة حرجة بعيدة كل البعد عن الإصلاح ، ويهدد بتقويض أركان النظام ، والدخول في الفوضى وعدم الإنتظام. السلطة التنفيذية تتعامل مع الوقائع بمبدأ "أحيني اليوم وأقتلني غدا" والسلطة التشريعية تعمل جاهدة لتأمين مصالحها المادية والمعنوية ، بمنهجية تنخر ركائز العدل و المساواة ، ليختبروا مدى تحمّل الشارع الأردني ، ويهددوا أمن الوطن في الصميم.
لا يعنينا حقيقة من هو القادم ، أو الذاهب ، أو الراجل ، أو المسافر ، أو الرئيس ، فكلهم أحجار على رقعة الشطرنج ، همّهم مصالحهم المادية والمعنوية ، بغض النظر عن قدرة الدولة ووفائها بإلتزاماتها نحوهم أو المواطنين بشكل عام ، فهي كمرحلة الغزو ، منفعة آنّية و مضّرة كلّية ، الخاسر الحقيقي فيها هو الأردن كدولة و شعب.
فالمنهجية المتبعة بعدم التقاسم والمحاصصة لإدارة شؤون البلاد ، و عدم الإعتراف بأن الشعب هو مصدر السلطات ، والإعتماد على المساعدات ، و حماية الفاسدين ، والنهب المخطط للمال العام ، و سياسة التعيينات الوراثية ،  و شراء الولاءات ، وتضخم أجهزة الدولة تهدد بإنقراضها و إنقراضنا لعدم قدرتنا سوية بالإلتزام بهذه الإستحقاقات العريضة.

ستتفاقم الأزمة السياسية والإقتصادية لمرحلة الإنفجار والذي لا يحمد عقباه. فالدعوة لزيادة حدة القبضة الأمنية ، إنما سيسارع في تقويض أركان النظام ، و سترتفع الحركات والجهات والتيارات المنادية بالإصلاح لتصل لسقوف تؤدي لحرب أهلية ولإنفلات أمني سريع بشكل لا يتصوره العقل والمنطق. فكل الأدلّة أمامنا ، عشناها وتابعناها ، وشهدناها ، كيف أن مصر ، ذات المليون ونصف رجل أمني ، إنتهت بفترة قياسية ، وتداعت أنظمة الحكم كأحجار الليجو ، بشكل متوالي.

السياسة الحالية بترقرب الأحداث الدامية في المنطقة أصبح مرفوضا. فالأردن ينتظر بفارغ الصبر مصير جارتها السورية وثورتها وإستحقاقاتها ، إرتفاع حدة المطالبين بالأصلاح في جارتنا السعودية ، الثورة المصرية ، الثورة الليبية ، الثورة هنا، والثورة هناك والثورة في القمر!
على النظام تحمّل مسؤولياته والبدء حقيقة ، بالتنازل عن صلاحياته عبر سياسات إصلاحية سياسية و إقتصادية وضمن خطة محكمة و بجدول زمني ، تضمن إستيعاب مطالب المعارضة المتزايدة ، لبناء إقتصاد حر مبني على أسس و ركائز أساسية وحقيقية لاي إقتصاد. الإدارة الإقتصادية هي خلق حزم وحلول إقتصادية لمواجهة المتطلبات والحاجات والمتغيرات الغير محددة والمحدودة والمتزايدة للشعب وضمن الموارد المتاحة. لذا ، لا بد من إيجاد كل السبل لتعيين هذه الموارد الشحيحة والمتاحة لمواكبة إحتياجات ومتطلبات المواطنين. بناءا عليه ، على النظام إدارة سياساته للإنتاج ، الإستهلاك ، التوزيع ، التبادل و التمويل. عليهم أن يحددوا "ماذا" و "كيف" و "لمن" يتم الإنتاج. هذه هي المعادلة الصعبة، وما لم تقول أجهزة الدولة بمهامها الحقيقية لتحديد كل الأطر والأنظمة وضمن رؤيا واضحة و مهمات محددة، سنندثر عما قريب.
نحن هنا لإحتضان ثقافة الأخلاق والمدعمة بالعلم الحديث وبشكل واعي و حثيث لدرأ المفاسد (درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح) و الإنجاز والفوز على أرض الواقع (لسنا عددا زائدأ ، ولسنا شعبا ميتا) ، عبر بث كل الثقافات و القيم و التي تنهض بشعبنا لمواكبة كل المتغيرات الإقليمية والعالمية ، ولنجلس بمصاف الدول العظمى ، لأننا نؤمن إيمانا يقينا بأن أفضل ساعة لأي رجل أو أنثى ، لتحقيق أكبر قدر ممكن له و لتحقيق كل ما يعتز لأجله ، هي تلكم اللحظة التي عمل و إستنفذ وإستنزف كل طاقات قلبه في سبب وجيه ليجلس متربعا في ميدان المعركة منتصرا.

إستقالة عون وإستحقاقاتها

الإستقالة افضل من الإقالة؟ أم الإقالة وبعدها الإستقالة؟ أم هي إقالة وإستقالة!
تعريف استقالة - اِسْتِقالَةٌ : [ ق ي ل ] . ( مصدر اِسْتَقالَ ) . " قَدَّمَ اسْتِقالَتَهُ مِنْ مَنْصِبِهِ " : طَلَبُ الإِعْفاءِ مِنَ الْمَنْصِبِ ، تَرْكُهُ ، اِعْتِزالُهُ ، التَّنازُلُ عَنْهُ .
أما تعريف الإقالة في اللّغة : الرّفع والإزالة ، ومن ذلك قولهم : أقال اللّه عثرته إذا رفعه من سقوطه . ومنه الإقالة في البيع ، لأنّها رفع العقد. باب الإقالة في الفقه  المناسبة ظاهرة ، وهي شاملة لكل عقد بيع صحيحا كان أو مكروها فيفسخ إقالة بالتراضي ، وإن كان واجبا في المكروه تحريما دفعا للمعصية ، أو فاسدا فيفسخ بدون التراضي ، إما من أحدهما أو من القاضي جبرا ، كما قدمناه فاشترك المكروه ، والفاسد في وجوب الدفع ، والكلام فيها يقع في عشرة مواضع. الأول في معناها لغة والثاني في معناها شرعا والثالث في ركنها ، والرابع في شروطها ، والخامس في صفتها ، والسادس في حكمها ، والسابع فيمن يملكها ، ومن لا يملكها ، والثامن في بيان دليلها ، والتاسع في سببها ، والعاشر في محاسنها. أما الأول فقال في القاموس قلته البيع بالكسر ، وأقلته فسخته ، وإستقاله طلب إليه أن يقيله ، وتقايل البيعان ، وأقال الله عثرتك ، وأقالكه، إلخ.
أشهر استقالة عربية في العصر الحديث هي استقالة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ، والذي تنحى عن الحكم محملا نفسه مسؤولية النكسة وبشجاعة كبيرة، تلا خطاب إستقالتة الشهيرة ، حيث قال "ولقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً ان تساعدوني عليه. لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر". صفقوا له وقالوا: إبقى! نحن معك!
نبدأ مشوارنا بتعليق للشاعر المخضرم مظفر النواب، ونقتبس منه:
قمم ، قمم ، قمم ، معزى على غنم ، مضرطة لها نغم
ويفشخ البغل على الحضور حافريه، لا ، نعم،
 وينزل المولود نصف عورة ونصف فم
 مبارك ، مبارك، وبالرفاه والبنين،
 أبرقوا لهيئة الأمم.

ثم يزيدنا من العلم قطرة:
وعنزة، مصابة برعشة !
في وسط القاعة بالت نفسها !
فأعجب الحضور ! صفقوا ! وحلقوا !
بالت لهم ثانية !
وإستعر الهتاف !
كيف بالت هكذا !!!
وحدّقوا ! وحللّوا ! وأجلّوا ! ومحّصوا ! ومصمصوا ! وشخت الذمم !
وا هبلتكم أمكم!
هذا دم، أم ليس دم!

نعلم سوية بأن كل رئيس وزراء معّين مكلّف من قبل النظام ، تحتوي أسس تكليفه على شقين، وهما كتاب التكليف والإقالة (وليس الإستقالة) ويوافق عليهما معا في ذات اللحظة لقبوله أن يتبوأ هذا المنصب.
جاء الرئيس لملأ فجوة عميقة تشكلت بعد أن حمّل المرحوم له ، شهيد الحق والعدل ، القائم بمقام الراعي الوالي ، حمّال المآسي ، والذي سبقه ، أوزارا فوق طاقاته، حيث أبدى عزيمة وإصرارأ لرفع أحمالا ثقالا، ولكن الميدان لا يحتمل الخطأ ، فلقد أدى دوره على أكمل وجه ، كجندي مطواع ، رفع العلم بكل فخر بمهمات صعبة وشائكة ، فجاءت مكافئته لنيل القليل من السكينة والراحة والإستجمام.
ينفي رئيس وزراء اردني تقديم إستقالة حكومته ، فيؤكد ذلك الديوان الملكي ، عبر تصريحات غير واضحة المصدر أولا ، ثم عبر إعلان قبول استقالة الحكومة ، رغم نفي الرئيس!!! ثم تتوالى الأحداث تباعا في تخبط عجيب ، لإعطاء القاصي والداني بأن التخبط موجود ، وأن النظام يمر بمرحلة تأزيم وضياع. قيل أن هذا حدث من قبل خلال حكومات عبد الرؤوف الروابدة ، و علي أبو الراغب ، و عدنان بدران. ولكنها مجرّد قصص.
وها هو المشهد يتكرر مجددا مع حكومة عون الخصاونة ! الخصاونة الذي كان متواجدا في تركيا ، حين شيع خبر تقديم إستقالة حكومته ، كلّف مكتبه في عمان بنفي خبر الإستقالة ، والتي قالت المصادر أنها قدمت خطيا ، وأن وزير العدل ، هو الذي كلفه الخصاونة بتقديم نص الإستقالة للديوان الملكي.

تباينت الأنباء عن أسباب الإستقالة والتي لخصها الشارع بما يلي:
1-  تنامي الخلافات بين الرئيس ومؤسسة القصر، خاصة منذ الزيارة التي قام بها خالد مشعل للأردن ، وعزلت الحكومة عن برنامج الزيارة بشكل كلي.
2-  الخلافات بين الخصاونة وفيصل الشوبكي، مدير المخابرات العامة ، على العديد من الأجندات والمسؤوليات وتوزيع المهام الوظيفية ، والإدارية ، لإدارة شؤون البلاد.
3-  تصريحات عدة من وزير الدولة لشؤون الإعلام والإتصال ، الناطق الرسمي بإسمك الحكومة ، تفيد بوجود موقف سلبي للحكومة من دائرة المخابرات العامة.
4-  إستشعار الخصاونة، أن الملك قرر التخلص من حكومته في وقت قريب جدا ، فارتأى أن يسارع إلى تقديم استقالة الحكومة ، قبل أن تقال ، آملا في تحسين صورته الشخصية أمام الرأي العام الأردني ، وتقليل حجم التشوهات التي شابت هذه الصورة جراء السياسات التي إنتهجتها حكومته إبان تبوأه لمنصب الرئيس.  وقد استشعر الخصاونة رغبة الملك في التخلص منه ، من خلال قرار الملك تمديد الدورة العادية الحالية لمجلس النواب ، حتى 25 حزيران المقبل ، بعد أن كانت الحكومة قد نسّبت بإنهاء الدورة في موعدها الدستوري الموافق ليوم الخميس، 26 نيسان الجاري.
5- تباطئ الخصاونة في تمرير مشروعي قانوني الإنتخاب والأحزاب لمجلس النواب ، وتعّمد تأجيل إصدارها ، إلى ما بعد إنتهاء الدورة العادية الحالية للمجلس ، والتي كان مقررا أن تنتهي يوم الخميس الماضي. قيل أن الخصاونة تعّمد التباطئ ، بهدف إطالة عمر حكومته لأطول فترة ممكنة ، في حين أن الملك ارتأى، كما يبدو ، تحميل حكومة الخصاونة المسؤولية عن نصي مشروعي القانونين السابقي الذكر ، اللذان رفضهما الإسلاميون ، وجميع أحزاب المعارضة ، وكل من له فكر حويط في أحجية الإنتخابات والسياسات الداخلية ، وباتت ، كما قيل ، مقاطعة الإنتخابات البرلمانية المقبلة أمرا حتميا ، ومن جميع الأحزاب والتيارات السياسية و المستقلين ، وليس فقط الأحزاب المعارضة للنهج المركزي ، مؤكدة ، على نحو يحبط سلفا ، أية أحاديث رسمية أو نوايا رسمية عن الإصلاح السياسي الشامل ، والذي أصبح و منذ زمن قريب ، مطلبا ملحا للدول المانحة ، والتي لا يستطيع الأردن الإستغناء عن مساعداتها أو العيش بدونها ، في ظل عجز موازنته العامة  والتي تجاوزت المليار دينار ، كما تجاوزت سقف 60% من إجمالي الدخل الوطني ، الأمر الذي يجعل إقتصاد البلاد في خطر متفاقم سيحصد ثماره عما قريب.
6- عصيان الحكومة الحالية لإدانة و محاكمة معروف البخيت رئيس الوزراء السابق، وسهل المجالي، وزير الأشغال العامة في حكومته، في قضية الفساد الثابت وقوعها في مشروع (سكن كريم لعيش كريم) و عدم قدرتهم على إقناع أعضاء مجلس النواب للتصويت لمحاكمتهم وإدانتهم.
 7- تقصير حكومة الخصاونة لتمرير تعديلات على قانون المطبوعات والنشر، لتحد ولتقلل من كشف الصحافة الإلكترونية لقضايا الفساد التي تنخر هيكل الدولة الأردنية والنظام ككل.
8- تحميل حكومة الخصاونة المسؤولية الكاملة لصدور بياني استنكار من منظمتين دوليتين بارزتين في مجال حقوق الإنسان ، وحرية الإعلام، تطرقا من خلالهما للأسرة الحاكمة.
بنظرة شمولية لكتاب إستقالة حكومة الخصاونة ، يوحي للقارىء بتنصله من المسؤولية  لتنفيذ برامج إصلاحية كلفت بها حكومته ، والتي لم تتقدم خطوة واحدة على أرض الواقع منذ تشكيلها أواسط تشرين أول الماضي. كما يبطن بأنه أدى المهمة على أكمل وجه ، متضمنا حزمة القوانين و العلاقة مع المعارضة والشارع ككل. ولم يجد الخصاونة ما يفاخر به من انجازات لحكومته ، غير الحديث عن محاولته لاستعادة الولاية العامة لرئاسة الوزراء ، دون أن يتطرق لنجاحه أو فشله ، وهو ما يردنا لبداية رسالته (يشرفني أن أتقدم بصادق الاحترام ووافر التحية لمقامكم السامي وشخصكم الكريم، سائلاً المولى عز وجل أن يحفظكم ويرعاكم وأن يهديكم إلى ما فيه رضاه وخيركم.). كما أشار للأزمة الاقتصادية الخانقة (يقصد أنه لم يتلقى الدعم المالي الكافي) والتراكمات الموروثة (لا مجال لحلها بالطريقة الديبلوماسية)، فقد نفذت الحكومة برنامج إعادة هيكلة رواتب موظفي القطاع العام وسعت، على قلة من الإمكانيات (يقصد بدخوله لخصامات ومنازعات لإستعادة الولاية العامة لمجلس الوزراء من عدة جهات كالديوان الملكي ودائرة المخابرات العامة)، إلى إنصاف ذوي الدخل المحدود ما أمكنها ذلك.
جاء نص الموافقة على قبول الإستقالة (الإقالة) بفكر تنموي حضاري ، تصريحي وبعلانية ، وبسيط (قريب للقلب) ولكنه يحتوي على العديد من المفارقات وذلك بأن حكومة عون الخصاونة لم تلبي وترتقي لتطلعات الشعب الوفي ورغبته في تحقيق الإصلاح السياسي المنشود. سمة التباطؤ والمراوحة ، والإصرار والتشبث بالرأي بعيدا عن مصالح الأمة.
حقيقة، أدّت حكومة عون الخصاونة الدور المطلوب على أكمل وجه ، وحان وقت رحيلها ، بطريقة تراجيدية كلاسيكية معهودة ، يشهد فيها لمطبخ القرار ، لقدرتهم على التحوير والتلفيق والإخراج السينيمائي والمسرحي للعديد من المسلسلات المحلية ، كالحكومات المتعاقبة وأسباب إقالاتها ، والتي ذهب أحدهم بوصفها زحفا ، والآخر كحشا ، وغيرهم ، في سلسلة جميلة متناغمة لفن الإنتاج التلفزيوني.
لتحليل أسباب الإقالة ، لا بد من تحليل أسباب التعيين.
كتب أحد المعارضين البارزين ، بأن النظام فشل. ونقول ، بأن النظام نجح في إنتقاء المكان والزمان لتعيين الحكومات المتعاقبة ولتاريخه ، للمحاولة بتهدئة الشارع المعارض ، ولكنه وعلى المدى المنظور ، يؤسس لمرحلة حرجة بعيدة كل البعد عن الإصلاح ، ويهدد بتقويض أركان النظام ، والدخول في الفوضى وعدم الإنتظام. السلطة التنفيذية تتعامل مع الوقائع بمبدأ "أحيني اليوم وأقتلني غدا" والسلطة التشريعية تعمل جاهدة لتأمين مصالحها المادية والمعنوية ، بمنهجية تنخر ركائز العدل و المساواة ، ليختبروا مدى تحمّل الشارع الأردني ، ويهددوا أمن الوطن في الصميم.
لا يعنينا حقيقة من هو القادم ، أو الذاهب ، أو الراجل ، أو المسافر ، أو الرئيس ، فكلهم أحجار على رقعة الشطرنج ، همّهم مصالحهم المادية والمعنوية ، بغض النظر عن قدرة الدولة ووفائها بإلتزاماتها نحوهم أو المواطنين بشكل عام ، فهي كمرحلة الغزو ، منفعة آنّية و مضّرة كلّية ، الخاسر الحقيقي فيها هو الأردن كدولة و شعب.
فالمنهجية المتبعة بعدم التقاسم والمحاصصة لإدارة شؤون البلاد ، و عدم الإعتراف بأن الشعب هو مصدر السلطات ، والإعتماد على المساعدات ، و حماية الفاسدين ، والنهب المخطط للمال العام ، و سياسة التعيينات الوراثية ،  و شراء الولاءات ، وتضخم أجهزة الدولة تهدد بإنقراضها و إنقراضنا لعدم قدرتنا سوية بالإلتزام بهذه الإستحقاقات العريضة.

ستتفاقم الأزمة السياسية والإقتصادية لمرحلة الإنفجار والذي لا يحمد عقباه. فالدعوة لزيادة حدة القبضة الأمنية ، إنما سيسارع في تقويض أركان النظام ، و سترتفع الحركات والجهات والتيارات المنادية بالإصلاح لتصل لسقوف تؤدي لحرب أهلية ولإنفلات أمني سريع بشكل لا يتصوره العقل والمنطق. فكل الأدلّة أمامنا ، عشناها وتابعناها ، وشهدناها ، كيف أن مصر ، ذات المليون ونصف رجل أمني ، إنتهت بفترة قياسية ، وتداعت أنظمة الحكم كأحجار الليجو ، بشكل متوالي.

السياسة الحالية بترقرب الأحداث الدامية في المنطقة أصبح مرفوضا. فالأردن ينتظر بفارغ الصبر مصير جارتها السورية وثورتها وإستحقاقاتها ، إرتفاع حدة المطالبين بالأصلاح في جارتنا السعودية ، الثورة المصرية ، الثورة الليبية ، الثورة هنا، والثورة هناك والثورة في القمر!
على النظام تحمّل مسؤولياته والبدء حقيقة ، بالتنازل عن صلاحياته عبر سياسات إصلاحية سياسية و إقتصادية وضمن خطة محكمة و بجدول زمني ، تضمن إستيعاب مطالب المعارضة المتزايدة ، لبناء إقتصاد حر مبني على أسس و ركائز أساسية وحقيقية لاي إقتصاد. الإدارة الإقتصادية هي خلق حزم وحلول إقتصادية لمواجهة المتطلبات والحاجات والمتغيرات الغير محددة والمحدودة والمتزايدة للشعب وضمن الموارد المتاحة. لذا ، لا بد من إيجاد كل السبل لتعيين هذه الموارد الشحيحة والمتاحة لمواكبة إحتياجات ومتطلبات المواطنين. بناءا عليه ، على النظام إدارة سياساته للإنتاج ، الإستهلاك ، التوزيع ، التبادل و التمويل. عليهم أن يحددوا "ماذا" و "كيف" و "لمن" يتم الإنتاج. هذه هي المعادلة الصعبة، وما لم تقول أجهزة الدولة بمهامها الحقيقية لتحديد كل الأطر والأنظمة وضمن رؤيا واضحة و مهمات محددة، سنندثر عما قريب.
نحن هنا لإحتضان ثقافة الأخلاق والمدعمة بالعلم الحديث وبشكل واعي و حثيث لدرأ المفاسد (درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح) و الإنجاز والفوز على أرض الواقع (لسنا عددا زائدأ ، ولسنا شعبا ميتا) ، عبر بث كل الثقافات و القيم و التي تنهض بشعبنا لمواكبة كل المتغيرات الإقليمية والعالمية ، ولنجلس بمصاف الدول العظمى ، لأننا نؤمن إيمانا يقينا بأن أفضل ساعة لأي رجل أو أنثى ، لتحقيق أكبر قدر ممكن له و لتحقيق كل ما يعتز لأجله ، هي تلكم اللحظة التي عمل و إستنفذ وإستنزف كل طاقات قلبه في سبب وجيه ليجلس متربعا في ميدان المعركة منتصرا.